حسن حسني عبد الوهاب
278
العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين
وقدم صغيرا على حاضرة تونس واستوطنها وقرأ على أعلامها الحديث وبرع في فنون الأدب وعدّ من رجاله ثم رحل إلى المشرق بقصد الحج والتزود من العلوم فأدى الفريضة - سنة 713 - وأقام بمكة مدة وروى الحديث عن رضى الدين أبي أحمد الطبري وعمر بن طراد قاضي المدينة وغيرهما ، واجتمع بعلماء الحجاز ومصر والشام ثم عاد إلى تونس 2 وتدرج في الوظائف الدولية وترقّى في مدة الأمير أبي بكر الثاني الملقب بالمتوكل على اللّه إلى رئاسة ديوان الإنشاء - حدود سنة 725 - فباشرها بهمة وجدارة تامة إلى أن لحقته نكبة لا نعلم أسبابها حملته على التخلّي عن منصبه والانتقال إلى الأندلس حيث نزل بغرناطة ضيفا مكرما على ملوكها من بني نصر وقد اغتبط بصحبته لسان الدين ابن الخطيب مدة إقامته هناك وترجم له في كتابه " الإكليل " 3 بقوله : " كاتب الخلافة ومشعشع الأدب الذي يزري بالسّلافة ، كان بطل مجال ، ورب رويّة وارتجال ، قدم على هذه البلاد ( الأندلس ) وقد نبا به وطنه ، وضاق ببعض الحوادث عطنه ، فتلوّم بها تلوّم النسيم بين الخمائل ، وحلّ منها محلّ الطّيف من الوشاح الجائل ، ولبث مدّة إقامته تحت جراية واسعة ، وميرة يانعة ، ثم آثر قطره فولّى وجهه شطره ، واستقبله دهره بالإنابة ، وقلّده خطّة الكتابة ، فاستقامت حاله ، وحطّت رحاله ، وله شعر أنيق وتصوّف وتحقيق ، ورحلة إلى الحجاز سعيها في الخير وثيق ، ونسبها في الصالحات عريق . وأورد له ابن الخطيب من شعره قوله : رضا نلت ما ترضين من كل ما تهوى * فلا توقفيني موقف الذلّ والشكوى وصفحا عن الجاني المسئ لنفسه * كفاه الذي يلقاه من شدّة البلوى بما بيننا من خلوة معنوية * أرقّ من النجوى وأحلى من السلوى قفي اشتكي لوعة البين ساعة * ولا يك هذا آخر العهد بالنجوى قفي ساعة في عرصة الدّار وانظري * إلى عاشق ما يستفيق من البلوى وكم قد سألت الريح شوقا إليكم * فما حنّ مسراها عليّ ولا ألوى فيا ريح حتى أنت ممن يغار بي * ويا نجد حتى أنت تهوى الذي أهوى خلقت ولي قلب جليد على النّوى * ولكن على فقد الأحبّة لا يقوى